محمد حسين هيكل
185
حياة محمد ( ص )
إيمانه بنصر اللّه إيّاه يلقي حبال الأمور على غواربها علما منه بأن الأمر كله للّه ؟ كلا ؟ فالأمر كله حقّا للّه ؛ لكنك لن تجد لسنة اللّه تبديلا . وما ركّب اللّه في النفوس من سلائق لا سبيل إلى إنكاره وقريش لها سيادة العرب ، وهي لا يمكن أن تني عن الأخذ بثأرها . وما أصاب قافلة صفوان بن أميّة لن يزيدها على الثأر إلا حرصا ، وفي التهيؤ للأخذ به إلا شدة . وما كان شيء من هذا ليغيب عن محمد وبعد نظره وسلامة سياسته فلا بدّ له إذا من أن يزيد المسلمين به تعلقا وارتباطا ، ومهما يكن الإسلام قد شدّ من عزائمهم وجعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا ، فإن حسن رعايتهم تزيد عزائمهم شدّة وتضامنهم قوّة . ومن حسن رعايتهم أن يزيد محمد رابطته بهم . لهذا تزوّج من حفصة بنت عمر بن الخطاب ، كما تزوّج من عائشة بنت أبي بكر من قبل . وكانت حفصة من قبله زوج خنيس أحد السابقين إلى الإسلام ، وقد مات عنها قبل زواج محمد بسبعة أشهر . وكما تزوج من حفصة فزاد عمر بن الخطاب به تعلقا ، زوّج ابنته فاطمة من ابن عمه عليّ أشد الناس محبة للنبيّ وإخلاصا له منذ طفولته . ولمّا كانت رقيّة ابنته قد اختارها اللّه إلى جواره ، فقد زوج عثمان بن عفّان بعدها ابنته أم كلثوم . وكذلك جمع حوله برابطة المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا ، وجمع بذلك أربعة من أقوى المسلمين الذي كانوا معه ، بل أقواهم إن شئت . بهذا كفل للمسلمين مزيدا من القوّة ، كما كفل لهم بما غنموا في مغازيهم إقداما على الحرب يجمع فيها الرجل بين الجهاد في سبيل اللّه والغنم من المشركين . وهو في هذه الأثناء يتتبع بدقّة كل الدقة أخبار قريش وما تعدّ . فقد كانت قريش تعدّ للثأر ولتفتح لنفسها طريق التجارة إلى الشام ، حتى لا تهوى مكانة مكة التجارية ومكانتها الدينية إلى حيث لا تقوم لها من بعد ذلك قائمة .